السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
54
مختصر الميزان في تفسير القرآن
بقوله : « فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا » للدلالة على استحقاق مجموعهما لأن ينحصر فيه الفرح . ويمكن ان يكون المراد بالفضل غير الرحمة ومن الأمور المذكورة في الآية السابقة أعطني الموعظة وشفاء ما في الصدر والهدى ، والمراد بالرحمة : الرحمة بمعناها المذكور في الآية السابقة وهي العطيّة الخاصة الإلهية التي هي سعادة الحياة في الدنيا والآخرة . والمعنى على هذا : ان ما تفضل اللّه به عليهم من الموعظة وشفاء ما في الصدور والهدى ، وما رحم المؤمنين به من الحياة الطيّبة ذلك أحق ان يفرحوا به دون ما يجمعونه من المال . وربما تأيد هذا الوجه بقوله سبحانه : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ( النور / 21 ) حيث نسب زكاتهم إلى الفضل والرحمة معا واستناد الزكاة إلى الفضل بمعنى العطية العامة بعيد عن الفهم ، ومما يؤيد هذا الوجه ملائمته لما ورد في الرواية من تفسير الآية بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وعلي عليه السّلام أو بالقرآن والاختصاص به وسيجيء ان شاء اللّه . وقوله : فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ذكروا ان الفاء في قوله : « فَلْيَفْرَحُوا » زائدة كقول الشاعر : « فإذا قتلت فعند ذلك فاجزعي » والظرف اعني قوله : « فَبِذلِكَ » بدل من قوله : « بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ » ، ومتعلق بقوله : « فَلْيَفْرَحُوا » قدّم عليه لإفادة الحسر ، وقوله : « هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ » بيان ثان لمعنى الحصر . فظهر بذلك كله ان الآية تفريع على مضمون الآية السابقة فإنه تعالى لمّا خاطب الناس امتنانا عليهم أن هذا القرآن موعظة لهم وشفاء لما في صدورهم وهدى ورحمة للمؤمنين منهم فرّع عليه انه ينبغي لهم حينئذ ان يفرحوا بهذا الذي امتنّ به عليهم من الفضل والرحمة لا بالمال الذي يجمعونه فان ذلك - وفيه سعادتهم وما تتوقف عليه سعادتهم - خير من المال الذي ليس إلّا فتنة ربما أهلكتهم واشقتهم . قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً